الغزالي

164

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وقال بعضهم لبعض الملوك : إنّ أحقّ النّاس بذمّ الدنيا وقلاها « 1 » من بسط له فيها ، وأعطي حاجته منها ، لأنّه يتوقّع آفة تعدو على ماله فتجتاحه ، أو على جمعه فتفرّقه ، أو تأتي سلطانه فتهدمه من القواعد ، أو تدبّ إلى جسمه فتسقمه ، أو تفجعه بشيء هو ضنين به بين أحبابه . فالدنيا أحقّ بالذمّ . هي الآخذة ما تعطي ، الراجعة فيما تهب . بينا هي تضحك صاحبها ، إذا أضحكت منه غيره ، وبينا هي تبكي له ، إذ أبكت عليه ، وبينا هي تبسط كفّها بالإعطاء ، إذ بسطتها بالاسترداد ، فتعقد التاج على رأس صاحبها اليوم ، وتعفّره في التراب غدا ، سواء عليها ذهاب ما ذهب ، وبقاء ما بقي . تجد في الباقي من الذاهب خلفا ، وترضى بكلّ من كلّ بدلا . وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز : أمّا بعد ، فإنّ الدنيا دار ظعن « 2 » ليست بدار إقامة ، وإنّما أنزل آدم عليه السلام من الجنّة إليها عقوبة ، فاحذرها يا أمير المؤمنين ، فإنّ الزاد منها تركها ، والغنى منها فقرها . لها في كلّ حين قتيل ، تذلّ من أعزّها ، وتفقر من جمعها . هي كالسّمّ يأكله من لا يعرفه ، وفيه حتفه « 3 » ، فكن فيها كالمداوي جراحه ، يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا ، ويصبر على شدّة الدواء مخافة طول الدّاء . فاحذر هذه الدار الغدّارة الختّالة الخدّاعة التي قد تزيّنت بخدعها ، وفتنت بغرورها وحلّت بآمالها ، وسوّفت بخطّابها ، فأصبحت كالعروس المجليّة ، العيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها وآلهة ، والنفوس لها عاشقة ، وهي لأزواجها كلّهم قالية ، فلا الباقي بالماضي معتبر ، ولا الآخر بالأوّل مزدجر ، ولا العارف باللّه عزّ وجلّ حين أخبره عنها مدّكر ، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته ، فاغترّ وطغى ونسي المعاد ، فشغل فيها لّبه ، حتى زلّت به قدمه ، فعظمت ندامته ، وكثرت حسرته ، واجتمعت عليه سكرات الموت وتألّمه ، وحسرات الفوت بغصّته .

--> ( 1 ) وقلاها : بغضها . ( 2 ) ظعن : سفر . ( 3 ) حتفه : موته .